الذات مع د. إبراهيم الخليفي وياسر الحزيمي | بودكاست خبير: كيف تفهم نفسك وتواجه التشتت؟

تبدأ كثير من مشكلات الإنسان من سؤال يبدو بسيطًا لكنه عميق جدًا: من أنا؟ فقد يعرف الشخص اسمه ووظيفته ودراسته، لكنه يجد صعوبة في فهم قدراته، ونقاط قوته، وما الذي يؤثر فيه، ولماذا يتخذ قرارات معينة دون غيرها.
هذا هو المحور الذي تبدأ منه حلقة الذات مع د. إبراهيم الخليفي وأ. ياسر الحزيمي من بودكاست خبير، وهي الحلقة الأولى من سلسلة تطويرية تربوية ناقشت موضوعات مرتبطة بالإنسان والأسرة والنمو والعلاقات.
الحلقة نُشرت في 18 أغسطس 2022، وتصل مدتها إلى نحو ساعة و37 دقيقة، وتطرح مجموعة من الأسئلة حول كيفية التعرف على الذات والنفس والروح، وكيف يكتشف الإنسان قدراته، وما الذي يسبب التشتت، وكيف تختلف النظرة إلى الذات باختلاف المرجعية التي ينطلق منها الإنسان. ويمكن الاستماع إلى الحلقة عبر بودكاست خبير على Anghami أو الاطلاع على نسخة الحلقة على Listen Notes.
والمميز في الحلقة أنها لا تختزل الذات في الثقة بالنفس أو النجاح المهني، وإنما تتعامل معها باعتبارها نقطة بداية لفهم الإنسان لنفسه وطريقة تعامله مع الآخرين والقرارات التي يتخذها.
كيف يساعدك فهم الذات على معرفة قدراتك ومواجهة التشتت؟
التعرف على الذات: من أنت بعيدًا عن الأدوار التي تقوم بها؟
من أهم الأسئلة التي تطرحها الحلقة: كيف يتعرف الإنسان على ذاته؟
قد يعرّف الشخص نفسه من خلال وظيفته أو شهادته أو عائلته أو موقعه الاجتماعي.
فيقول مثلًا:
أنا مهندس.
أنا طالب.
أنا مدير.
أنا أب.
لكن هذه كلها أدوار يقوم بها الإنسان وليست بالضرورة تعريفًا كاملًا لذاته.
لهذا يناقش د. إبراهيم الخليفي وياسر الحزيمي موضوع التعرف على الذات والنفس والروح، ويطرحان أسئلة تتعلق بكيفية فهم الإنسان لنفسه بصورة أعمق. ويشير الوصف الرسمي للحلقة صراحة إلى أن النقاش يتناول كيفية التعرف على الذات وتعريفها ومعرفة الإنسان لقدراته.
ويمكن تطبيق الفكرة عمليًا من خلال مجموعة من الأسئلة:
ما الأشياء التي أجيدها؟
ما المواقف التي أشعر فيها بالقوة؟
ما المواقف التي تجعلني مترددًا؟
ما الأشياء التي أستمتع بفعلها حتى دون وجود مكافأة؟
ما القيم التي أعتبرها أساسية في حياتي؟
ما الأشياء التي أتأثر بها بسرعة؟
وما الذي أريده فعلًا، بعيدًا عن توقعات الآخرين؟
ليس الهدف أن تحصل على إجابة نهائية لكل سؤال في جلسة واحدة، وإنما أن تبدأ في مراقبة نفسك بصورة أكثر وعيًا.
فمعرفة الذات عملية مستمرة.
تجارب العمل والدراسة والعلاقات والمواقف الصعبة يمكن أن تكشف للإنسان جوانب لم يكن يعرفها من قبل.
وقد يكتشف مثلًا أنه جيد في التواصل، لكنه ضعيف في التنظيم.
أو أنه يجيد العمل تحت الضغط، لكنه يتردد في اتخاذ القرارات.
أو أنه يحب مجالًا معينًا لأنه اختاره بنفسه، بينما يسير في مجال آخر فقط لأن الآخرين توقعوا منه ذلك.
وهذا النوع من المعرفة مهم جدًا في الحياة المهنية أيضًا.
فالشخص الذي يعرف نقاط قوته يستطيع اختيار الوظائف التي تناسبه بصورة أفضل.
وإذا كنت تعرف أنك تستمتع بتحليل المعلومات والأرقام، فقد تكون بعض مجالات تحليل البيانات أو المحاسبة أقرب إلى قدراتك من وظائف تعتمد على التواصل المستمر مع العملاء.
أما إذا كنت تتمتع بقدرة قوية على الإقناع والتواصل وبناء العلاقات، فقد تكون المبيعات أو تطوير الأعمال أو الموارد البشرية أكثر ملاءمة لك.
ولا يعني ذلك أن الإنسان لا يستطيع تعلم مهارات جديدة، وإنما أن معرفة قدراته تعطيه نقطة بداية أكثر وضوحًا.
كيف تواجه التشتت وتعرف ما الذي يستحق تركيزك؟
أحد المحاور الأساسية المذكورة في وصف الحلقة هو التشتت، وهي مشكلة أصبحت أكثر وضوحًا في الحياة المعاصرة.
الإنسان اليوم يتعرض باستمرار لآراء ومحتوى ومقارنات وفرص وأهداف مختلفة.
يمكن أن يبدأ يومه وهو يريد تطوير مهاراته في مجال معين، ثم يرى شخصًا ناجحًا في مجال آخر فيقرر تغييره، وبعد أيام يشاهد محتوى جديدًا فيفكر في مسار ثالث.
النتيجة هي أنه يبدأ أشياء كثيرة ولا يتقدم بصورة حقيقية في أي منها.
ولهذا تصبح معرفة الذات وسيلة مهمة لمواجهة التشتت.
قبل أن تدخل أي مسار جديد، اسأل:
هل هذا الهدف مناسب لي فعلًا؟
هل لدي اهتمام حقيقي به؟
هل يتوافق مع قدراتي وقيمي؟
أم أنني أريده فقط لأن شخصًا آخر نجح فيه؟
ويمكن استخدام قاعدة بسيطة في تطوير المسار المهني:
حدد اتجاهًا واحدًا لفترة زمنية واضحة.
إذا كنت تريد العمل في Data Analysis مثلًا، امنح نفسك عدة أشهر لتعلم الأساسيات وتنفيذ مشروعات عملية ومتابعة الوظائف، بدلًا من الانتقال كل أسبوع إلى مجال جديد.
استخدم LinkedIn Jobs لمراجعة متطلبات الوظائف الحقيقية، ثم قارنها بمهاراتك الحالية.
إذا كانت معظم الوظائف تطلب Excel وSQL وPower BI، يصبح لديك مسار تعلم أوضح.
التشتت لا يأتي فقط من كثرة الخيارات، بل أحيانًا من محاولة إرضاء الجميع.
قد يختار الإنسان تخصصًا لأن الأسرة تريده.
أو يرفض وظيفة مناسبة لأنه يخشى نظرة الآخرين للمسمى الوظيفي.
وهنا يعود السؤال الأساسي:
هل القرار نابع من فهمي لنفسي أم من محاولتي الحصول على قبول الآخرين؟
كيف تؤثر علاقتك بذاتك على قراراتك وعلاقاتك وحياتك المهنية؟
الفرق بين فهم الذات والتمركز حولها ووضع حدود مع الآخرين
من أكثر المحاور تميزًا في الحلقة المقارنة بين مفهوم الذات في المنظور الغربي والمنظور الإسلامي. وهذا المحور مذكور بوضوح ضمن الوصف الأصلي للحلقة، إلى جانب الحديث عن كيفية حماية الإنسان نفسه من أذى الآخرين.
الفكرة المهمة هنا أن الاهتمام بالذات لا يعني بالضرورة أن يصبح الإنسان محور كل شيء.
فيمكنك معرفة حقوقك ووضع حدودك واحترام احتياجاتك دون تجاهل الآخرين.
كما أن التضحية المستمرة بالنفس لإرضاء الجميع ليست بالضرورة علامة على حسن العلاقات.
في الحياة اليومية، تظهر الحدود في مواقف بسيطة.
إذا لم يكن لديك وقت لتنفيذ طلب معين، يمكنك الاعتذار.
إذا تحدث شخص معك بطريقة غير مناسبة، يمكنك توضيح أن هذا الأسلوب غير مقبول.
إذا كنت تحتاج إلى وقت قبل اتخاذ قرار، تستطيع طلبه.
ولا يعني ذلك العدوانية.
يمكن أن تقول:
“أفضل أن نناقش الموضوع بطريقة أهدأ.”
أو:
“لا أستطيع الالتزام بهذا حاليًا.”
أو:
“أحتاج إلى التفكير قبل أن أعطيك قرارًا.”
هذه أمثلة على حماية الذات دون الاعتداء على الطرف الآخر.
وتصبح هذه المهارة مهمة داخل بيئة العمل أيضًا.
قد يحاول موظف قبول جميع المهام حتى لا يقال عنه إنه غير متعاون، ثم يجد نفسه غير قادر على إنجازها.
الأفضل أن يكون واضحًا:
“لدي ثلاث مهام عاجلة حاليًا، أيها تريد أن أضعه في الأولوية؟”
بهذه الطريقة أنت لا ترفض العمل، لكنك تضع حدودًا واقعية لقدرتك ووقتك.
كما أن معرفة الذات تساعد الإنسان على تقليل تأثير المقارنات.
إذا كنت تعرف أهدافك وقيمك، لن يصبح كل نجاح تراه عند الآخرين تهديدًا لك.
يمكنك الاستفادة منه دون أن تشعر أنك مطالب بنسخ حياة صاحبه.
كيف تستخدم فهم الذات في اختيار الوظيفة والاستعداد للانترفيو؟
رغم أن الحلقة تتناول الذات بصورة أوسع من المجال الوظيفي، فإن أفكارها يمكن استخدامها مباشرة أثناء بناء المسار المهني.
قبل التقديم على وظيفة، لا تسأل فقط:
ما الراتب؟
بل اسأل أيضًا:
هل طبيعة العمل مناسبة لي؟
هل أحب نوع المهام المطلوبة؟
هل أمتلك المهارات الأساسية؟
ما نقاط القوة التي سأستخدمها هنا؟
وما الأشياء التي أحتاج إلى تطويرها؟
هذه الأسئلة تساعدك على التقديم بصورة أكثر وعيًا.
كما أن معرفة الذات مهمة جدًا أثناء مقابلات العمل.
من أشهر الأسئلة:
Tell me about yourself.
الشخص الذي لم يفكر من قبل في خبراته وقدراته قد يجيب بصورة مشتتة.
أما إذا كنت تعرف مسارك جيدًا، تستطيع تقديم إجابة قصيرة ومنظمة.
مثلًا:
“My name is Ahmed. I’m a Commerce graduate with a strong interest in accounting and financial reporting. I have good knowledge of Excel and accounting principles, and I’m currently looking for an opportunity where I can develop my practical experience.”
وقد يُسأل المتقدم أيضًا:
What are your strengths?
هنا لا تختَر صفة عشوائية.
إذا كنت تقول إنك جيد في حل المشكلات، قدم مثالًا.
وإذا كنت تقول إنك منظم، اشرح موقفًا استخدمت فيه هذه المهارة.
أما سؤال:
What is your weakness?
فهو يحتاج أيضًا إلى وعي بالذات.
لا تستخدم إجابة غير واقعية مثل:
“My weakness is that I work too hard.”
الأفضل اختيار جانب حقيقي تعمل عليه، ثم شرح خطوات التطوير.
مثلًا:
“I used to feel uncomfortable speaking in front of groups, so I started volunteering to present small parts of team projects to improve my confidence.”
كما يساعد فهم الذات على التعامل مع الرفض الوظيفي.
رفضك في وظيفة لا يعني أن قيمتك أقل.
قد يعني أن الشركة اختارت شخصًا أكثر خبرة، أو أن مهارة معينة كانت ناقصة، أو أن الدور ببساطة لم يكن مناسبًا لك.
بدلًا من تحويل كل رفض إلى حكم على نفسك، اسأل:
هل يوجد Feedback أستطيع الاستفادة منه؟
هل يجب تعديل الـCV؟
هل أحتاج إلى تطوير مهارة؟
هل الوظائف التي أتقدم عليها مناسبة لمستواي أصلًا؟
وبهذه الطريقة تتحول معرفة الذات من فكرة نظرية إلى أداة تساعدك على اتخاذ قرارات أكثر وضوحًا.
حلقة الذات من بودكاست خبير لا تقدم وصفة سريعة لتطوير النفس، وإنما تفتح مجموعة أسئلة أساسية: كيف تعرف نفسك؟ كيف تكتشف قدراتك؟ كيف تتعامل مع التشتت؟ وما الحدود بين الاهتمام بالذات وعلاقتك بالآخرين؟
ويمكن الاستماع إلى الحلقة من خلال بودكاست خبير على Anghami، أو Listen Notes، كما تتوفر الحلقة ضمن سلسلة بودكاست خبير.




