الاكتئاب: الأعراض والأسباب وطرق العلاج ومتى يجب طلب المساعدة

قد يمر أي شخص بيوم سيئ يشعر فيه بالحزن أو الإرهاق أو فقدان الحماس، لكن الاكتئاب مختلف عن التقلبات الطبيعية في المزاج. فهو اضطراب نفسي حقيقي يمكن أن يؤثر في طريقة تفكير الإنسان ومشاعره ونومه وشهيته ومستوى طاقته وقدرته على الدراسة والعمل والتواصل مع الآخرين.
ولا يعني الإصابة بالاكتئاب أن الشخص ضعيف أو أنه لا يمتلك إرادة كافية للتغلب على مشكلاته. كما لا يمكن اختزال الاكتئاب في سبب واحد أو القول ببساطة إنه يحدث نتيجة “نقص مادة كيميائية” معينة في الدماغ. وتشير المعرفة الطبية الحالية إلى أنه ينتج عن تفاعل معقد بين عوامل بيولوجية ونفسية واجتماعية، وقد تلعب التجارب الصعبة والضغوط وبعض المشكلات الصحية والعوامل الوراثية وغيرها دورًا في زيادة احتمالية الإصابة به.
والخبر الجيد أن الاكتئاب قابل للعلاج، وتوجد طرق علاجية فعالة تتراوح بين العلاج النفسي وبعض أشكال الدعم والتدخلات الدوائية التي يحددها الطبيب وفق حالة كل شخص.
ما هو الاكتئاب وما أهم أعراضه؟
أعراض الاكتئاب النفسية والجسدية وكيف تؤثر في الحياة اليومية
لا يظهر الاكتئاب بالطريقة نفسها لدى جميع الأشخاص. فقد يبدو واضحًا لدى شخص من خلال الحزن المستمر، بينما يظهر لدى شخص آخر في صورة فقدان الطاقة أو العصبية أو الانسحاب من الآخرين أو عدم القدرة على الاستمتاع بالأشياء التي كان يحبها.
ومن العلامات التي قد تظهر خلال نوبة الاكتئاب:
- استمرار الشعور بالحزن أو الفراغ أو الانزعاج معظم الوقت.
- فقدان الاهتمام أو المتعة في الأنشطة التي كان الشخص يستمتع بها.
- انخفاض الطاقة والشعور المستمر بالإرهاق.
- اضطراب النوم، سواء الأرق أو الاستيقاظ مبكرًا أو النوم لفترات طويلة.
- تغير الشهية أو الوزن بصورة غير معتادة.
- صعوبة التركيز أو التذكر أو اتخاذ القرارات.
- الشعور بالذنب المفرط أو بانخفاض القيمة الذاتية.
- الشعور باليأس تجاه المستقبل.
- الانسحاب من بعض الأنشطة والعلاقات الاجتماعية.
- ظهور أفكار متعلقة بالموت أو إيذاء النفس في بعض الحالات.
وقد يعاني بعض الأشخاص أيضًا من أعراض جسدية، مثل الصداع أو الآلام أو اضطرابات الهضم التي لا يكون لها تفسير واضح أحيانًا.
ولهذا السبب لا ينبغي الاعتقاد بأن الشخص غير مصاب بالاكتئاب لمجرد أنه لا يبكي باستمرار أو لا يبدو حزينًا أمام الآخرين.
وتشير منظمة الصحة العالمية إلى أن النوبة الاكتئابية تتميز عادة بوجود مزاج منخفض أو فقدان الاهتمام والمتعة معظم اليوم، في معظم الأيام، لمدة أسبوعين على الأقل، إلى جانب مجموعة أخرى من الأعراض.
لكن مدة الأسبوعين ليست وسيلة للتشخيص الذاتي؛ فالتشخيص يحتاج إلى تقييم متخصص يأخذ في الاعتبار شدة الأعراض وتأثيرها في حياة الشخص، كما يستبعد الأسباب الصحية أو النفسية الأخرى التي قد تسبب أعراضًا مشابهة.
يمكن أن يؤدي الاكتئاب إلى تراجع الأداء الدراسي أو المهني، وصعوبة الاهتمام بالمسؤوليات اليومية، وتدهور العلاقات الاجتماعية، وفقدان الرغبة في القيام بأشياء كانت جزءًا طبيعيًا من حياة الإنسان سابقًا.
وفي بعض الحالات قد يشعر الشخص بأن حتى المهام البسيطة، مثل الاستحمام أو ترتيب المنزل أو الرد على الرسائل أو الذهاب إلى العمل، أصبحت تحتاج إلى مجهود أكبر بكثير من المعتاد.
أسباب الاكتئاب ومن هم الأكثر عرضة للإصابة به؟
من غير الدقيق البحث عن سبب واحد للاكتئاب. فالاضطراب قد يظهر نتيجة تفاعل عدة عوامل معًا، وقد تختلف هذه العوامل بصورة كبيرة من شخص إلى آخر.
قد ترفع بعض التجارب الحياتية الصعبة من احتمالية ظهور أعراض الاكتئاب، مثل التعرض لخسارة شديدة أو ضغوط طويلة المدى أو مشكلات أسرية واجتماعية أو تجارب مؤلمة.
كما توجد علاقة بين الصحة الجسدية والصحة النفسية. فبعض الأمراض المزمنة قد تصاحبها زيادة في احتمالية ظهور أعراض اكتئابية، كما أن الاكتئاب نفسه قد يجعل التعامل مع المرض الجسدي أكثر صعوبة.
وتلعب العوامل البيولوجية والوراثية دورًا لدى بعض الأشخاص، لكنها ليست العامل الوحيد. ولهذا فإن شخصين يواجهان الظروف نفسها قد تكون استجابتهما النفسية مختلفة تمامًا.
ومن الأخطاء الشائعة أيضًا افتراض أن الإنسان يحتاج إلى وجود “سبب كبير” حتى يصاب بالاكتئاب. فقد تظهر الأعراض لدى شخص تبدو حياته مستقرة من الخارج، ولا يعني ذلك أن معاناته غير حقيقية.
لذلك لا يفيد سؤال الشخص المصاب: “لماذا أنت مكتئب وأنت لديك كل شيء؟”؛ لأن الاكتئاب ليس دائمًا استجابة مباشرة لمشكلة واحدة يستطيع الإنسان حلها بسهولة.
كما يجب التفرقة بين الاكتئاب والحزن الطبيعي. فالحزن بعد خسارة أو موقف مؤلم جزء طبيعي من التجربة الإنسانية، ولا يعني تلقائيًا وجود اضطراب نفسي. ولكن عندما تستمر الأعراض وتزداد شدتها وتؤثر بصورة واضحة في القدرة على ممارسة الحياة، فقد يكون من المناسب الحصول على تقييم متخصص.
علاج الاكتئاب وكيف يمكن التعامل معه بصورة صحيحة؟
العلاج النفسي والأدوية ودور نمط الحياة
لا يوجد علاج واحد يصلح لجميع المصابين بالاكتئاب. ويعتمد اختيار العلاج على مجموعة من العوامل، من بينها شدة الأعراض ومدتها، والحالة الصحية للشخص، والأدوية التي يتناولها، والتجارب العلاجية السابقة وتفضيلاته الشخصية.
ويُعد العلاج النفسي أحد الأساليب الرئيسية المستخدمة في علاج الاكتئاب. ومن أشهر الأنواع التي تمت دراستها العلاج المعرفي السلوكي أو CBT.
يساعد العلاج المعرفي السلوكي الشخص على التعرف على بعض أنماط التفكير والسلوك غير المفيدة، وفهم العلاقة بينها وبين المشاعر، ثم تطوير طرق أكثر فاعلية للتعامل مع المواقف والأفكار الصعبة.
وهناك كذلك العلاج بين الأشخاص IPT الذي يهتم بالعلاقات والأحداث الحياتية وكيف يمكن أن تؤثر في الحالة المزاجية والعكس.
العلاج النفسي ليس مجرد الحديث مع شخص يستمع إلى المشكلات، بل هو عملية علاجية منظمة يقوم بها مختص مدرب وتستهدف تخفيف الأعراض وتحسين قدرة الشخص على التعامل مع حياته.
وفي بعض الحالات قد يقرر الطبيب استخدام الأدوية المضادة للاكتئاب، خاصة بحسب شدة الحالة واحتياجات المريض.
ولا تعمل هذه الأدوية بالطريقة نفسها لدى كل شخص، كما أنها لا تحقق تأثيرها الكامل فور تناولها. قد يحتاج بعض الأشخاص إلى عدة أسابيع قبل ملاحظة تحسن واضح، وقد يحتاج الطبيب إلى متابعة الاستجابة والآثار الجانبية واختيار الدواء والجرعة المناسبين.
ولا ينبغي استخدام دواء وصف لشخص آخر حتى إذا بدت الأعراض متشابهة، كما لا ينبغي تعديل الجرعة دون مراجعة الطبيب.
ومن المهم كذلك عدم إيقاف مضادات الاكتئاب بصورة مفاجئة من تلقاء النفس. فقد يؤدي التوقف المفاجئ عن بعض الأدوية إلى أعراض انسحابية، ولذلك يضع الطبيب عند الحاجة خطة تدريجية لتقليل الجرعة.
ولا تعني الحاجة إلى مضاد للاكتئاب أن الشخص “أصبح مدمنًا” عليه؛ فمضادات الاكتئاب لا تعد أدوية إدمانية بالمعنى المعتاد، لكن الجسم قد يتكيف مع بعضها، ولذلك يكون التوقف التدريجي مهمًا.
إلى جانب العلاج المتخصص، يمكن لبعض العادات الصحية أن تكون عاملًا مساعدًا. من المفيد الحفاظ قدر الإمكان على مواعيد منتظمة للنوم والاستيقاظ، والبقاء على اتصال بالأشخاص الداعمين، وممارسة نشاط بدني مناسب للحالة الصحية، والاستمرار في بعض الأنشطة اليومية بدل الانعزال الكامل.
لكن هذه الخطوات لا تعني أن الرياضة أو النوم أو “التفكير الإيجابي” بديل عن العلاج. ففي الحالات التي تحتاج إلى تدخل طبي أو نفسي يجب أن تكون هذه العادات جزءًا مساعدًا فقط من الخطة العلاجية.
متى يجب طلب المساعدة وكيف تدعم شخصًا مصابًا بالاكتئاب؟
من المناسب التفكير في التحدث إلى طبيب أو أخصائي نفسي عندما تستمر أعراض مثل الحزن أو فقدان الاهتمام أو اضطراب النوم والطاقة والتركيز لمدة أسبوعين أو أكثر، وخاصة إذا بدأت تؤثر في العمل أو الدراسة أو العلاقات أو القدرة على ممارسة الأنشطة اليومية.
وقد يكون من المفيد قبل الموعد تدوين أهم الأعراض ومتى بدأت ومدى تأثيرها في الحياة اليومية، إضافة إلى الأدوية أو المشكلات الصحية الموجودة. يساعد ذلك المختص على تكوين صورة أكثر وضوحًا عن الحالة.
ويمكن لكتابة اليوميات أن تساعد بعض الأشخاص أيضًا على متابعة المزاج والنوم والطاقة والأنشطة اليومية وملاحظة التغيرات بمرور الوقت، لكنها ليست أداة تشخيص ولا بديلًا عن الطبيب.
أما إذا كنت تتعامل مع شخص يعاني من الاكتئاب، فقد يكون الدعم الذي تقدمه مهمًا للغاية.
تجنب عبارات مثل: “اخرج من الحالة دي”، أو “فكر بإيجابية”، أو “هناك أشخاص حياتهم أصعب منك”. مثل هذه العبارات قد تجعل الشخص يشعر بأن معاناته غير مفهومة.
يمكن بدلًا من ذلك استخدام عبارات أكثر دعمًا مثل: “أنا موجود لو حابب تتكلم”، أو “هل أقدر أساعدك في الوصول إلى طبيب أو متخصص؟”
وقد يكون الدعم عمليًا أيضًا، مثل مساعدة الشخص في حجز موعد أو مرافقته إليه إذا كان يرغب في ذلك، أو الاطمئنان عليه بصورة منتظمة دون الضغط عليه للحديث.
ومن الضروري التعامل بجدية مع أي حديث عن الموت أو الانتحار أو إيذاء النفس.
إذا قال شخص إنه يفكر في إيذاء نفسه، فلا ينبغي تركه يواجه الأمر بمفرده أو التعامل مع كلامه باعتباره محاولة لجذب الانتباه. يجب التواصل فورًا مع شخص موثوق يمكنه المساعدة ومع خدمات الطوارئ أو الرعاية الصحية المتاحة محليًا إذا كان هناك خطر مباشر.
كما توصي منظمة الصحة العالمية بأن يتحدث الشخص الذي لديه أفكار انتحارية مع شخص يثق به ومع أحد العاملين في الرعاية الصحية، وفي حالات الخطر الفوري يجب التواصل مع خدمات الطوارئ المتاحة.
ومن المهم تذكر أن طلب المساعدة النفسية لا يمثل ضعفًا، كما أن الإصابة بالاكتئاب لا تحدد شخصية الإنسان أو قيمته. بعض الحالات تتحسن بالعلاج النفسي، وبعضها قد يحتاج إلى دواء، وأخرى إلى الجمع بين أكثر من وسيلة علاجية، ولذلك فإن التقييم المتخصص هو الخطوة التي تساعد على اختيار الطريق المناسب لكل حالة.



