غير مصنف

داشراث مانجي: الفلاح الذي حفر الجبل لأكثر من عشرين عامًا

هناك قصص تجعل الإنسان يعيد التفكير في معنى الصبر والإصرار، وقصة داشراث مانجي Dashrath Manjhi واحدة من أشهر هذه القصص في الهند. لم يكن مهندسًا أو سياسيًا أو رجل أعمال يمتلك المال والمعدات، بل كان عاملًا فقيرًا من قرية Gehlaur في ولاية بيهار الهندية، لكنه نجح في تنفيذ مشروع استغرق منه أكثر من عقدين وأصبح بسببه معروفًا باسم Mountain Man – رجل الجبل.

بين عامي 1960 و1982، أمضى مانجي نحو 22 عامًا في شق ممر عبر تل صخري باستخدام أدوات يدوية بسيطة، أبرزها المطرقة والإزميل. وتذكر مصادر هندية، استنادًا إلى بيانات حكومة بيهار، أن الممر بلغ نحو 110 أمتار طولًا و9.1 أمتار عرضًا و7.7 أمتار عمقًا، وساعد على تقليل المسافة بين منطقتي Atri وWazirganj من نحو 55 كيلومترًا إلى 15 كيلومترًا.

وراء هذا الإنجاز توجد قصة إنسانية مرتبطة بزوجته وبصعوبة الوصول إلى الخدمات الطبية من قريته، إلا أن بعض التفاصيل التي تُروى عن القصة تختلف بين المصادر، خصوصًا المسافة الدقيقة التي كان السكان يقطعونها وظروف إصابة زوجته. لكن الأمر المتفق عليه في أغلب الروايات هو أن معاناة زوجته وصعوبة الوصول إلى العلاج كانتا الدافع الأساسي الذي جعله يقرر فتح طريق عبر الجبل.

قصة داشراث مانجي وبداية رحلة حفر الجبل

من قرية معزولة إلى قرار غير حياة رجل بسيط

عاش داشراث مانجي في قرية Gehlaur بالقرب من مدينة Gaya في ولاية بيهار، وهي منطقة كانت تعاني من ضعف الخدمات وصعوبة التنقل بسبب التضاريس الجبلية.

كان السكان يضطرون إلى الالتفاف حول التلال للوصول إلى بعض البلدات والخدمات الأساسية، وهو ما جعل الرحلات اليومية أكثر صعوبة، خصوصًا في الحالات التي تحتاج إلى رعاية طبية سريعة.

وترتبط بداية قصة مانجي بزوجته Falguni Devi. وتختلف بعض المصادر في التفاصيل الدقيقة للحادث؛ فبعض الروايات تقول إنها أصيبت بعد سقوطها أثناء عبور الجبل، بينما تذكر روايات أخرى أن وفاتها جاءت بعد تأخر وصولها إلى الرعاية الطبية. وتشير India Today إلى أن زوجته كانت حاملًا عندما سقطت وأصيبت بجروح خطيرة، وأن التأخير في الوصول إلى المستشفى ساهم في وفاتها.

وتذكر مصادر أخرى أن قريته كانت بعيدة جدًا عن مركز طبي يمكن الوصول إليه بسهولة، وهو ما جعل هذه التجربة نقطة تحول رئيسية في حياته.

بعد تلك التجربة، لم يقرر مانجي الرحيل من القرية أو انتظار مشروع حكومي كبير، وإنما اختار حلًا بدا بالنسبة لكثيرين مستحيلًا: أن يشق ممرًا في الجبل بنفسه.

بدأ العمل في عام 1960 مستخدمًا مطرقة وإزميلًا، واستمر في إزالة الصخور تدريجيًا. لم يكن لديه معدات حفر ثقيلة أو فريق هندسي أو ميزانية كبيرة، وإنما كان يعتمد على الجهد اليدوي والوقت.

وفي البداية لم يكن الجميع مقتنعًا بما يفعله. وتذكر بعض الروايات أن عددًا من أهل القرية سخروا منه، لأن فكرة أن يقوم رجل واحد بتغيير الجبل بأدوات بسيطة بدت غير واقعية. لكن بمرور السنوات، بدأ المشروع يتحول من فكرة غريبة إلى طريق حقيقي يمكن استخدامه.

وهنا تكمن إحدى أهم نقاط قصته: لم يحدث الإنجاز في أيام أو شهور. نحن نتحدث عن 22 عامًا تقريبًا من العمل المتواصل، وهي فترة أطول من المسيرة المهنية الكاملة لبعض الأشخاص.

22 عامًا من العمل حتى ظهور طريق رجل الجبل

استمر مانجي في العمل من عام 1960 حتى عام 1982، وهي الفترة التي تذكرها مصادر هندية متعددة باعتبارها المدة التي احتاج إليها لفتح الممر.

وتبلغ الأبعاد الأكثر تداولًا والمرتبطة بحكومة بيهار نحو 360 قدمًا، أي 110 أمتار طولًا، و30 قدمًا تقريبًا، أي 9.1 أمتار عرضًا، و25 قدمًا أو 7.7 أمتار عمقًا.

هناك اختلاف بين بعض التقارير القديمة حول المسافة التي اختصرها الطريق؛ إذ تذكر بعض المصادر أنه خفض المسافة من 55 كيلومترًا إلى 15 كيلومترًا، بينما تورد تقارير أخرى أرقامًا مختلفة مثل 50 إلى 10 كيلومترات أو حتى 70 كيلومترًا في بعض الروايات الشعبية. ولهذا فإن رقم 55 إلى 15 كيلومترًا يعد من الأرقام الأكثر ارتباطًا بالبيانات المنسوبة إلى حكومة بيهار والتغطيات الصحفية الموثوقة.

ولم يكن الممر مجرد إنجاز شخصي. فتح الطريق وصولًا أقصر بين المجتمعات الواقعة على جانبي المنطقة الجبلية، وساهم في تسهيل الحركة بالنسبة إلى السكان.

ومن المثير في القصة أن مانجي لم يمتلك خلفية هندسية معروفة أو معدات متقدمة. كانت طريقة العمل في جوهرها بسيطة جدًا: كسر الصخور تدريجيًا وإزالة ما يمكن إزالته، ثم العودة إلى العمل مرة أخرى.

قد يبدو هذا الأسلوب بطيئًا، لكنه يكشف فكرة مهمة: بعض المشروعات التي تبدو مستحيلة عندما ننظر إليها دفعة واحدة يمكن أن تتغير عندما يتم تقسيمها إلى خطوات صغيرة تستمر لفترة طويلة.

ولهذا تحولت قصة داشراث مانجي لاحقًا إلى رمز للإصرار في الهند، وأصبح معروفًا إعلاميًا باسم Mountain Man.

كيف تحول داشراث مانجي إلى رمز عالمي للإصرار؟

التقدير المتأخر وفيلم Manjhi: The Mountain Man

لم يحصل مانجي على شهرة كبيرة في بداية المشروع، لكن قصته بدأت تجذب اهتمام وسائل الإعلام والشخصيات العامة بعد انتشارها.

وفي سنواته الأخيرة التقى عددًا من المسؤولين، ومن بينهم رئيس وزراء ولاية بيهار Nitish Kumar. وتشير تقارير صحفية من عام 2007 إلى أن مانجي طلب تحسين الطريق الذي صنعه وبناء مستشفى يخدم سكان المنطقة.

كما رشحت حكومة بيهار اسمه للحصول على جائزة Padma Shri في عام 2006 ضمن فئة الخدمة الاجتماعية، لكن بعض الروايات المنتشرة على الإنترنت تقول خطأً إنه حصل على الجائزة بالفعل. المصادر الأكثر دقة تشير إلى أن اسمه تم ترشيحه للجائزة، وليس أنه أصبح من حامليها رسميًا.

توفي داشراث مانجي في 17 أغسطس 2007 بعد إصابته بسرطان في القنوات الصفراوية، وكان يتلقى العلاج في معهد AIIMS في نيودلهي.

ومنحته حكومة ولاية بيهار جنازة رسمية على مستوى الولاية تقديرًا لإنجازه. وهذه المعلومة أدق من الرواية المنتشرة أحيانًا بأن “العلم الهندي نُكّس في جميع أنحاء البلاد”، إذ لا تظهر المصادر الموثوقة التي راجعتها دليلًا كافيًا على حدوث تنكيس وطني للعلم بسبب وفاته.

وفي عام 2016 أصدرت هيئة البريد الهندية طابعًا تذكاريًا يحمل اسمه ضمن سلسلة لشخصيات من بيهار.

كما وصلت القصة إلى السينما من خلال فيلم Manjhi: The Mountain Man للمخرج Ketan Mehta، وقام بدور داشراث مانجي الممثل الهندي Nawazuddin Siddiqui. وأعاد الفيلم تقديم قصته لجمهور واسع وأصبح اسم “رجل الجبل” معروفًا خارج حدود بيهار والهند أيضًا.

لكن من المهم عند مشاهدة أي فيلم سيرة ذاتية التفرقة بين الحقائق التاريخية والعناصر الدرامية التي قد يضيفها صناع الفيلم لتطوير القصة سينمائيًا.

ماذا نتعلم من قصة رجل حفر الجبل بيديه؟

أكثر ما يجعل قصة داشراث مانجي مؤثرة ليس حجم الصخور التي أزالها فقط، وإنما المدة التي ظل خلالها ملتزمًا بالهدف.

اثنان وعشرون عامًا مدة طويلة جدًا. في هذه الفترة كان من الممكن أن يتوقف بعد عدة أشهر أو بعد عام أو خمسة أعوام، لكنه استمر حتى أصبح الممر حقيقة.

ويمكن النظر إلى قصته باعتبارها درسًا عمليًا في مفهوم الاستمرارية. فكثير من الناس يبدأون مشروعًا أو يتعلمون مهارة جديدة بحماس كبير، ثم يتوقفون عندما لا تظهر النتائج بسرعة.

قصة مانجي تقول شيئًا مختلفًا: التقدم الصغير قد لا يبدو مهمًا في يوم واحد، لكنه يصبح ضخمًا عندما يستمر لسنوات.

كما تقدم قصته درسًا في تحويل الألم إلى فعل. فقد كان الدافع الأساسي مرتبطًا بتجربة شخصية مؤلمة، لكنه لم يقرر فقط تغيير حياته الخاصة؛ بل أنشأ طريقًا أصبح بإمكان الآخرين استخدامه أيضًا.

وفي عالم العمل، يمكن تطبيق الفكرة نفسها بصورة أبسط بكثير. الشخص الذي يريد تعلم لغة أو البرمجة أو التسويق أو أي مهارة مهنية لا يحتاج إلى انتظار الظروف المثالية حتى يبدأ.

يمكن أن يبدأ بساعة يوميًا، ثم يبني خبرته تدريجيًا. وربما لا تكون النتائج مثيرة بعد الأسبوع الأول، لكنها تصبح مختلفة تمامًا بعد سنة أو عدة سنوات.

والدرس الآخر هو عدم ربط البداية بالإمكانات الكاملة. مانجي لم يبدأ عندما أصبحت لديه أفضل الأدوات؛ بدأ بما كان متاحًا لديه.

لكن هذا لا يعني أن النجاح دائمًا يعتمد على الإرادة وحدها أو أن الإنسان يجب أن يتجاهل الحاجة إلى المؤسسات والخدمات العامة. فالقصة نفسها تكشف أيضًا عن مشكلة أعمق: اضطرار رجل فقير إلى قضاء أكثر من عشرين عامًا في شق طريق يدويًا لأن مجتمعًا كاملًا كان يعاني من ضعف الوصول إلى الخدمات الأساسية.

وهذا يجعل قصة رجل الجبل تحمل وجهين في الوقت نفسه: قصة استثنائية عن قوة الفرد، وقصة عن أهمية الطرق والرعاية الصحية والبنية التحتية للمجتمعات الفقيرة.

وعندما أصبحت قصته معروفة، وصفها كثيرون بأنها مثال لما يمكن أن يحققه شخص واحد عندما يصر على هدفه. وحتى بعد مرور سنوات طويلة على وفاته، ما زال اسم Dashrath Manjhi مرتبطًا في الهند بصورة الرجل الذي وقف أمام الجبل وقرر ألا يقبل أن يظل الجبل حاجزًا إلى الأبد.

قراءة المزيد عن داشراث مانجي عبر The Indian Express

معلومات إضافية عن قصة Mountain Man عبر India Today

زر الذهاب إلى الأعلى